الجاحظ

70

رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية )

دليلا ، ومع كلّ خفيّ من الحقّ حجّة ظاهرة ، تستنبط لها غوامض البرهان وتستبين بها دقاق الصّواب ، وتستشفّ بها سرار القلوب ، فتأتي ما تأتي عن بيّنة ، وتدع ما تدع عن خبرة ، ولا يكون بك وحشة إلى معرفة كثير مما يغيب عنك ، إذا عرفت العلل والأسباب ، حتّى كأنك مشاهد لضمير كل امرئ لمعرفتك بطبعه وما ركّب عليه ، وعوارض الأمور الداخلة عليه ثمّ ، غير راض لك بالأصول حتّى أتقصى لك ما بلغه علمي من الفروع . ثم لا أرسم لك من ذلك [ إلّا ] الأمر المعقول في كل طبيعة ، والموجود في فطر البرايا كلّها . فإن أحسنت [ رعاية ] ذلك وأقمته على حدوده ، ونزّلته منازلة ، كان عمرك - وإن قصرت أيامه - طويلا ، وفارقت ما لا بدّ لك من فراقه محمودا ، إن شاء اللّه . [ 3 - آداب الدين والدنيا واحدة ] واعلم أنّ الآداب إنّما هي آلات تصلح أن تستعمل في الدّين وتستعمل في الدنيا ، وإنّما وضعت الآداب على أصول الطباع . وإنّما أصول أمور التدبير في الدّين والدّنيا واحدة ، فما فسدت فيه المعاملة في الدّين فسدت فيه المعاملة في الدنيا ، وكلّ أمر لم يصحّ في معاملات الدّنيا لم يصح في الدّين . وإنّما الفرق بين الدين والدّنيا اختلاف الدارين من الدّنيا والآخرة فقط ، والحكم هاهنا الحكم هناك ، ولولا ذلك ما قامت مملكة ، ولا ثبتت دولة ، ولا استقامت سياسة . ولذلك قال اللّه عزّ وجل : وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا ، قال ابن عباس في تفسيرها : من كان ليس له من العقل ما يعرف به كيف دبّرت أمور الدنيا ، فكذلك هو إذا انتقل إلى الدّين ، فإنّما ينتقل بذلك العقل . فبقدر جهله بالدّنيا يكون جهله بالآخرة أكثر ، لأن هذه شاهدة وتلك غيب ، فإذا جهل ما شاهد فهو بما غاب عنه أجهل . فأوّل ما أوصيك به ونفسي تقوى اللّه ، فإنّها جماع كلّ خير ، وسبب كلّ نجاة ، ولقاح كلّ رشد . هي أحرز حرز ، وأقوى معين ، وأمنع جنّة . هي